الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

99

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والضمير المنصوب ب تَنْصُرُوهُ عائد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يتقدّم له ذكر ، لأنّه واضح من المقام . وجملة فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ جواب للشرط ، جعلت جوابا له لأنّها دليل على معنى الجواب المقدّر لكونها في معنى العلّة للجواب المحذوف : فإنّ مضمون فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ قد حصل في الماضي فلا يكون جوابا للشرط الموضوع للمستقبل ، فالتقدير : إن لا تنصروه فهو غني عن نصرتكم بنصر اللّه إيّاه إذ قد نصره في حين لم يكن معه إلا واحد لا يكون به نصر فكما نصره يومئذ ينصره حين لا تنصرونه . وسيجيء في الكلام بيان هذا النصر بقوله : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها الآية . ويتعلّق إِذْ أَخْرَجَهُ ب نَصَرَهُ أي زمن إخراج الكفار إيّاه ، أي من مكة ، والمراد خروجه مهاجرا . وأسند الإخراج إلى الذين كفروا لأنّهم تسببوا فيه بأن دبّروا لخروجه غير مرّة كما قال تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ الأنفال : 30 ] ، وبأن آذوه وضايقوه في الدعوة إلى الدين ، وضايقوا المسلمين بالأذى والمقاطعة ، فتوفّرت أسباب خروجه ولكنّهم كانوا مع ذلك يتردّدون في تمكينه من الخروج خشية أن يظهر أمر الإسلام بين ظهراني قوم آخرين ، فلذلك كانوا في آخر الأمر مصمّمين على منعه من الخروج ، وأقاموا عليه من يرقبه وحاولوا الإرسال وراءه ليردّوه إليهم ، وجعلوا لمن يظفر به جزاء جزلا ، كما جاء في حديث سراقة بن جعشم . كتب في المصاحف إِلَّا من قوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ بهمزة بعدها لام ألف ، على كيفية النطق بها مدغمة ، والقياس أن تكتب ( إن لا ) - بهمزة فنون فلام ألف - لأنّهما حرفان : ( إن ) الشرطية و ( لا ) النافية ، ولكنّ رسم المصحف سنّة متبعة ، ولم تكن للرسم في القرن الأول قواعد متّفق عليها ، ومثل ذلك كتب إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ في سورة الأنفال [ 73 ] . وهم كتبوا قوله : بَلْ رانَ في سورة المطففين [ 14 ] بلام بعد الباء وراء بعدها ، ولم يكتبوها بباء وراء مشدّدة بعدها . وقد أثار رسم إِلَّا تَنْصُرُوهُ بهذه الصورة في المصحف خشية توهّم متوهّم أنّ إِلَّا هي حرف الاستثناء فقال ابن هشام في « مغني اللبيب » : « تنبيه ليس من أقسام ( إلّا ) ، ( إلّا ) التي في نحو إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ وإنّما هذه كلمتان ( إن ) الشرطية و ( لا ) النافية ، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في « شرح التسهيل » من أقسام إلّا ، ولم يتبعه الدماميني في شروحه الثلاثة على « المغني » ولا الشمني . وقال الشيخ محمد